محمد متولي الشعراوي

2786

تفسير الشعراوى

من الرسل بأشياء قد تكون ضمن الأسباب التي فتنت بعض الناس فيه ، لقد خلقه اللّه خلقا خاصا . فسبحانه خلق الناس جميعا من آدم عليه السّلام الذي صوره اللّه من طين ثم نفخ فيه الروح ، وجاء الخلق من التزاوج . أما عيسى عليه السّلام فقد خلقه اللّه بطريقة خاصة ، فكيف كفروا به وكيف يتهمون أمه مريم عليهاالسّلام وهي البتول ؟ . ومن الجائز أن تتهم المرأة وترمى وتوصف بكل شئ : كاذبة ، سارقة ، أو دميمة ، لكن الاتهام في العرض : لا . والحق هنا يحدد موضوعين للكفر : قولهم البهتان على مريم وهو كفر باللّه ، وكفرهم بعيسى الذي جاء بميلاد على غير طريقة الميلاد العادية على الرغم من أن هذا تكريم له ولذع لليهود الذين غرقوا في المادية حتى إنهم قالوا : ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) . بل إن الحق رزقهم برزق غيبى لا يعرفون أسبابه : في التيه رزقهم بالمن والسلوى ، والمن في لون القشدة وطعم العسل الأبيض وهو شئ يقع على أوراق الشجر في بعض البيئات ، والسلوى طائر يشبه السّمانى ، وكانوا يأخذون المن من الأشجار ويجمعونه ويأكلونه رزقا يأتيهم ولا يزرعونه ولا يتعبون فيه . لكنهم قالوا : لا ، نحن نريد أن نزرع نباتا ينمو من الأرض ولا ننتظر الغيب ، لأن الغيب قد يضن علينا . فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها ( من الآية 61 سورة البقرة ) هم - إذن - لا يثقون بما في يد اللّه ، ويريدون الأمر المادي ، ولذلك يلفتهم الحق سبحانه وتعالى لفتة قسرية ، ويأتي بأمر يناقض قانون المادة من أساسه ؛ وهو ميلاد عيسى عليه السّلام بأسلوب غير تقليدى ، والإنسان يأتي إلى الدنيا من أب وأم ، ويأتي الحق بعيسى مخلوقا من أم دون أب ، فانتقضت المادية ، وهم كماديين غفلوا عن الخلق الأول : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) ( سورة ق )